الذهبي

117

سير أعلام النبلاء

مخالفا للاجماع ، ولا للسنة ، وإنما مراد إسحاق : أنهم إذا اجتمعوا على مسألة فهو حق غالبا ، كما نقول اليوم : لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه ، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة ، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها بأن الحق في خلافها . ومن غرائب ما انفرد به الأوزاعي : أن الفخذ ليست في الحمام عورة ، وأنها في المسجد عورة . وله مسائل كثيرة حسنة ينفرد بها ، وهي موجودة في الكتب الكبار ، وكان له مذهب مستقل مشهور ، عمل به فقهاء الشام مدة ، وفقهاء الأندلس ، ثم فني . سليمان بن عبد الرحمن ، قال : قال عقبة بن علقمة البيروتي : أرادوا الأوزاعي على القضا ، فامتنع وأبى ، فتركوه . وقال الأوزاعي : من أكثر ذكر الموت ، كفاه اليسير ، ومن عرف أن منطقه من عمله ، قل كلامه . أبو صالح كاتب الليث : عن الهقل بن زياد ، عن الأوزاعي : أنه وعظ ، فقال في موعظته : أيها الناس ! تقووا بهذه النعم التي أصبحتم فيها على الهرب من نار الله الموقدة ، التي تطلع على الأفئدة ، فإنكم في دار ، الثواء فيها قليل ، وأنتم مرتحلون وخلائف بعد القرون ، الذين استقالوا من الدنيا زهرتها ، كانوا أطول منكم أعمارا ، وأجد أجساما ، وأعظم آثارا ، فجددوا الجبال ، وجابوا الصخور ( 1 ) ، ونقبوا في البلاد ، مؤيدين ببطش شديد ، وأجسام كالعماد ، فما لبثت الأيام والليالي أن طوت مدتهم ، وعفت آثارهم ، وأخوت منازلهم ، وأنست ذكرهم ، فما تحس منهم من أحد ، ولا تسمع لهم

--> ( 1 ) جابوا الصخور : نقبوها . قال الله تعالى : * ( وثمود الذين جابوا الصخر بالواد ) * [ الفجر : 9 ] . قال الفراء : جابوا : خرقوا الصخر فاتخذوه بيوتا . انظر : " لسان العرب " .